المقريزي

255

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

وهو قاهر الفلك - فسمّوها « القاهرة » ، واقتضى نظرهم أنّها لا تزال تحت القهر « a » « 1 » . وأدخل في دائر هذا السّور بئر العظام ، وجعل القاهرة حارات للواصلين صحبته وصحبة مولاه المعزّ ، وعمّر القصر بترتيب ألقاه إليه المعزّ . ويقال : إنّ المعزّ لما رأى القاهرة لم يعجبه مكانها ، وقال لجوهر : « لمّا فاتك عمارة القاهرة بالسّاحل ، كان ينبغي عمارتها بهذا الجبل » ، يعني سطح الجرف الذي يعرف اليوم بالرّصد المشرف على جامع راشدة « 2 » . ورتّب في القصر جميع ما يحتاج إليه الخلفاء بحيث لا تراهم الأعين في النّقلة من مكان إلى مكان ، وجعل في ساحاته البحر والميدان والبستان ، وتقدّم بعمارة المصلّى بظاهر القاهرة . وقد أدركت من هذا السّور اللّبن قطعا ، وآخر ما رأيت منه قطعة كبيرة كانت فيما بين باب البرقيّة ودرب بطّوط ، هدمها شخص من النّاس في سنة ثلاث وثمان مائة ، فشاهدت من كبر لبنها ما يتعجّب منه في زمننا حتى إنّ اللّبنة تكون قدر ذراع في ثلثي ذراع . وعرض جدار السّور عدّة أذرع يسع أن يمرّ به فارسان ، وكان بعيدا عن السّور الحجر الموجود الآن ، وبينهما نحو الخمسين ذراعا . وما أحسب أنّه بقي الآن من هذا السّور اللّبن شيء ألبتّة . وجوهر هذا مملوك روميّ « 3 » ربّاه المعزّ لدين اللّه أبو تميم معدّ وكنّاه بأبي الحسن ، وعظم محلّه

--> ( a ) في اتعاظ الحنفا : تحت حكم الأتراك . ( 1 ) حول تسمية القاهرة انظر ، ابن دقماق : الانتصار 5 : 35 ؛ المقريزي : اتعاظ 1 : 112 ؛ أبا المحاسن : النجوم 4 : 41 - 42 ؛ السيوطي : حسن 1 : 25 - 26 ؛ Kunitz - sch , P . « Zur Namengebung Kairos ( al - Qa ? hir - Mars ? » , Der Islam ( 1975 ) , pp . 205 - 25 ; Fu'a ? d Sayyid , A . , op . cit . , pp . 163 - 64 ؛ وانظر رواية المسعودي حول بناء الإسكندرية فيما تقدم 1 : 404 - 405 . ( 2 ) ابن عبد الظاهر : الروضة 20 ؛ ابن دقماق : الانتصار 5 : 36 ؛ القلقشندي : صبح 3 : 351 ، 367 ؛ المقريزي : اتعاظ 1 : 112 - 113 ؛ ابن إياس : بدائع 1 / 1 : 188 ؛ وفيما تقدم 1 : 128 . ( 3 ) جوهر الصّقلبي الكاتب أكبر قائد عسكري عرفه الفاطميون ، وهو الذي استطاع أن يحقّق أغلى أماني الفاطميين : فتح مصر . وجاء نسب جوهر في أغلب المصادر « الصّقلّي » ورسم هذه الكلمة يتماثل مع كلمة « صقلبي » بزيادة نقطة الباء ؛ وبما أننا لا نملك معلومات كافية عن انتشار العنصر الصّقلّي في بلاط الفاطميين ، وإنّما نعلم أنّ عبيد الفاطميين في الدور الإفريقي كانوا من الصّقالبة فإنّ نسبة جوهر يجب أن تكون الصّقلبي وليس الصّقلّي وكما كتبها المقريزي بخطه في مسوّدة المقفى ( نسخة ليدن رقم ( Or . 14533 ، وقد أوضح Ivan Herbek ذلك بحجج قوية في مقاله « Die Slaven im Dienst des Fatimiden » , Archiv Orientali XXI